أحمد بن محمد ابن عربشاه
571
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فأمرت أن لا يبقى على ذي روح ، وأن تجرى السيول من الدم المسفوح ، فأطلقوا في ميادين الحتوف أعنة « 1 » صوارم السيوف ، فجدت جباه الجياد وجادت بجود الجد على أجياد الأجواد ، وصارت كألسن الشعراء النقاد تهيم من النظم والنثر في كل واد ، فمحوا عن لوح الوجود ، بلسان شواظ السيف ذات الوقود سطور ذوات ذلك السواد الأعظم ، وكتاب كتائب تلك الخلائق والأمم ، وزادوا في الاشتطاط حتى قتلوا الكلاب والقطاط ، ثم أمرت أن تجمع رؤوس أولئك الجمهور ، ويميز رؤوس الإناث من الذكور ، فميزوا رؤوس الرجال عن قمم ربات الحجال « 2 » ، وطرحوا كل كاشية « 3 » في ناحية ، فصارت الرؤس كرواسى الجبان ، وتلك الدور والقصور كالأعصر الخوال ، ولم يخلص من قطع الأرؤس سوى أربعة أنفس كانوا من ذوى الحرف فجذبتهم المهارة من سفح بحر الفناء إلى الطرف . ثم ركبت تلك البسوس « 4 » ، ووقفت على تلال الرؤوس فلم تنطفئ نارها ولا بردا وارها ، وزعمت أنها لم تستوف ثأرها ، وأن دود ترابها من علق تلك الأمم ما تكفت وغيظة غيظها بزائر السيوف ما تشفت ، واستغاثت بالرجال وصاحت بلسان الحال ، وأنشدت : وهب أنّ النساء سللن سيفا * فصلن وجلن كالفحل الغيور فزلزلن الجبال فطرن خوفا * يضاهين السّحاب على الطّيور وصار لسفكهنّ البرّ بحرا * أيغنيهنّ ذاك عن الأيور « 5 »
--> ( 1 ) أعنة : أي اللجام أو الحبل الطويل . ( 2 ) ربات الحجال : جمع حجل وهو موضع تزين العروس . ( 3 ) كاشية : أي قطعة من الجسد . ( 4 ) البسوس : حرب جرت بين تغلب وبكر في الجاهلية . أثارتها امرأة تدعى البسوس ، قتل ناقتها كليب بن ربيعة التغلبي فقتله جساس بن مرة البكري . فقام المهلهل يطلب بثأر أخيه كليب ، ودامت الحرب أربعين سنة . اشتهرت بشعر المهلهل في رثاء أخيه . ( 5 ) الأيور : حر النار والشمس والعطش .